هل نحن في فقاعة للذكاء الاصطناعي؟
* التداول محفوف بالمخاطر. أموالك معرضة للخطر.
ازدهار حقيقي أم فقاعة؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي يسيطر على المشهد.
فأينما تلقي بنظرك، من نشرات الأخبار إلى منصات التواصل الاجتماعي، الجميع يتحدث عن الذكاء الاصطناعي. لقد قفزت أسعار أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قفزات هائلة، مُحقِّقة ثروات طائلة للمستثمرين الأوائل بين ليلة وضحاها. ولكن هذا الازدهار يطرح أيضًا سؤالاً محوريًا أمام جميع المتداولين في السوق وهو: هل ما نشهده ثورة تكنولوجية حقيقية ستغير عالمنا، أم أننا داخل فقاعة سوق ستنتهي حتمًا بالانفجار؟
في هذه المدونة، سنستعرض وجهات النظر المختلفة للمؤيدين والمعارضين لفرضية فقاعة الذكاء الاصطناعي لمساعدتك على اتخاذ قرارات مدروسة في الأسواق المالية الحالية.
النقاط الرئيسية
تقف السوق الآن على حافة مفترق طرق: فريق يرى أن ازدهار الذكاء الاصطناعي حقيقي ومستدام، وفريق آخر يحذر من أن الأمر ليس سوى فقاعة تزداد حجمًا بسبب المضاربة، ولكل فريق من هذين الفريقين حججه وأسانيده.
فالفريق المتفائل أصحاب "السيناريو الصعودي" يستند إلى النمو الحقيقي في الأرباح، وقوة الميزانيات العمومية للشركات، والزيادة الملموسة في الإنتاجية نتيجة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
أما الفريق المتشائم أصحاب "السيناريو الهبوطي" فهو يرى مؤشرات خطيرة منها التقييمات المبالغ فيها الشبيهة بفترة فقاعة الدوت كوم، والاستثمارات المدفوعة بالضجة الإعلامية، والتركيز غير المسبوق على عدد قليل من عمالقة التكنولوجيا.
إن التحديد الصحيح للمرحلة الحالية من دورة السوق، حتى لو تعذّر تحديد توقيت ذروة الدورة، هو المفتاح لتجنب المخاطر.
هل ما نشهده الآن فقاعة سوق؟
قبل أن نحكم على وجود فقاعة في قطاع الذكاء الاصطناعي أم لا، يجب أولاً أن نفهم معنى فقاعة السوق. فكما أوضحنا في مقالنا السابق ما هي فقاعة السوق؟، تحدث الفقاعة عندما تقفز أسعار الأصول إلى مستويات خيالية لا تعكس قيمتها الحقيقية، ويكون هذا الارتفاع نتيجة للمضاربة وليس الأداء المالي القوي.
وفي الحقيقة فإن المشهد الحالي للسوق محيّر للغاية. فهناك مؤشرات تدل على أننا نشهد ازدهارًا منطقيًا قائم على أرباح حقيقية. وفي الوقت نفسه، هناك علامات تحذيرية كانت موجودة قبل كل حالات الانهيار الكبرى في الماضي.
دعونا نستعرض وجهتي النظر المختلفتين.
السيناريو الصعودي المتفائل: ازدهار مستدام
يرى المتفائلون المؤيدون لفرضية عدم وجود فقاعة أن الأسس الاقتصادية الجوهرية قوية، ويستدلون بمؤشرات مثل نمو الإيرادات المستمر، والانتشار الكبير لاستخدام التكنولوجيا الجديدة المذهلة، والطلب القوي من المستهلكين.
وهم يفسرون أن ما قد يبدو كتقييمات مبالغ فيها أو حماس مفرط ليس سوى رد فعل منطقي على التغير الجذري الذي تحدثه الثورة التكنولوجية في عالمنا. وبدءًا من تطور الذكاء الاصطناعي وصولاً إلى التسارع في حلول الطاقة النظيفة، فإن هذه الابتكارات تغير القواعد في كل القطاعات وتفتح آفاقاً جديدة. مما يجعل التفاؤل مبررًا وفي محله.
وحسب وجهة النظر التي يتبناها هذا الفريق فإن حركة السوق الحالية تعكس اقتناعاً منطقيًا بالمستقبل الواعد لهذه التكنولوجيات الثورية على المدى الطويل وليس بدافع الهوس بالمضاربة.
فيما يلي بعض الأسباب التي تدعم فرضة أننا لا نشهد أي فقاعة:
- الأرباح حقيقية ومتزايدة: على عكس فترة فقاعة الدوت كوم، تُحقِّق عمالقة التكنولوجيا اليوم أرباحاً طائلة. وتشير التوقعات إلى نمو في الأرباح بنحو 12.9% خلال فترة 12 شهرًا المقبلة. فصحيح أن الأسعار مرتفعة، ولكن الأرباح مرتفعة أيضاً، وهذا ما يبرر سبب ارتفاع التقييمات.
- ميزانيات عمومية قوية: تمتلك شركات مثل مايكروسوفت وجوجل احتياطيات نقدية ضخمة مع ديون قليلة جداً. وهذا الوضع المالي القوي يختلف كلياً عن وضع الشركات الناشئة في تسعينيات القرن العشرين خلال فقاعة الدوت كوم والتي كانت تُنفق بسرعة دون ربح، مما يجعل شركات التكنولوجيا اليوم أكثر قوة ومرونة في مواجهة الصدمات الاقتصادية.
- زيادة حقيقية في الإنتاجية: الذكاء الاصطناعي ليس مجرد مفهومًا نظريًا؛ بل إنه يُستخدم بالفعل لزيادة كفاءة الشركات وخفض التكاليف وتطوير منتجات جديدة. وهذه التحسينات الإنتاجية العملية يمكنها أن تعزز النمو الاقتصادي وتزيد أرباح الشركات بشكل مستمر لسنوات مقبلة، وهو ما يُشكل أساسًا متينًا لاستمرار صعود الأسواق.
مؤشر ناسداك المركب منذ بداية العام حتى اليوم
قفز مؤشر ناسداك الأمريكي، الذي تغلب عليه أسهم شركات قطاع التكنولوجيا، بأكثر من 19% منذ بداية العام.
السيناريو الهبوطي المتشائم: فقاعة تقليدية
وعلى الجانب الآخر، يقف فريق الدببة المتشائمين الذي يَرى علامات تحذيرية تقليدية تشير إلى أن فقاعة مضاربة تتشكل، لا سيما في قطاع الذكاء الاصطناعي.
ويعتقد هذا الفريق أن التدفق السريع للاستثمارات الهائلة والتقييمات الخيالية والضجة الإعلامية المحيطة بالذكاء الاصطناعي تفوق بكثير ما تقدمه التكنولوجيا حالياً وتطبيقاتها العملية الفعلية.
ووفقاً لوجهة نظر هذا الفريق، فالمشهد الحالي لديناميكيات قطاع الذكاء الاصطناعي يتحرك بدافع "الخوف من ضياع الفرصة" ورغبة المضاربين في الربح السريع وليس النمو المستدام للشركات أو أرباحها القوية. ويحذّر هذا الفريق من أن استمرار هذا الوضع وعدم وجود نتائج ملموسة تُبرر هذه الطفرة الهائلة في الأسعار قد يؤدي إلى "انفجار" الفقاعة، مما يترتب عليه خسائر فادحة للمستثمرين وإبطاء وتيرة التقدم في القطاع ككل.
فيما يلي العلامات التحذيرية الأساسية:
- التقييمات مبالغ فيها بدرجة خطيرة: تشير بعض المؤشرات إلى مستويات لم تُشاهد إلا قبل الانهيارات الكبرى الماضية. فمؤشر نسبة شيلر "CAPE "نسبة السعر إلى الأرباح المعدلة دوريًا"، الذي يقيس التقييم على المدى الطويل، يتجاوز الآن مستوى 30 – وهو نفس المستوى الذي كان عليه المؤشر في ذروة فقاعة الدوت كوم عام 2000. وبالمثل فإن مؤشر بافيت"، الذي يقيس القيمة السوقية الإجمالية لسوق الأسهم مقسومة على الناتج المحلي الإجمالي للدولة، يسجل حاليًا أكثر من 200%.
- السردية تحل محل المؤشرات المالية: في زمن الفقاعات، تصبح "الحكاية" التي تروى عن أرباح الشركات أكثر أهمية من الأرقام الفعلية. وهذا ما نشهده اليوم، حيث إن بعض شركات الذكاء الاصطناعي التي تُسجل خسائر فادحة تحصل على تقييمات ضخمة. فشركة "أوبن أيه آي" (OpenAI) على سبيل المثال قد قُدرت قيمتها بأكثر من 100 مليار دولار على الرغم من خسارتها السريعة للأموال. بل لقد وصل الأمر إلى أن رئيسها التنفيذي، سام ألتمان، حذر من احتمال وجود فقاعة للذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى الفجوة بين الضجيج الإعلامي والواقع. فعندما يصب المستثمرون تركيزهم "معلمات النموذج" بدلاً من الربحية فإن هذا جرس إنذار معروف سمعناه يدق في فقاعات سابقة.
- إشارات النشوة المفرطة واضحة: عادت حمى المضاربة إلى الواجهة. فنحن نشهد الآن موجة من الشركات الجديدة التي تطرح أسهمها للاكتتاب (الطرح العام الأولي)، حيث ترتفع أسهم العديد منها بنسبة 30% أو أكثر في يوم التداول الأول. وهذا المشهد يُذكرنا بالهوس الذي سبق انهيار الدوت كوم في أواخر تسعينيات القرن الماضي، مما يشير إلى أن شعور "الخوف من ضياع الفرصة" بات تطغى على التحليل المنطقي.
نسبة شيلر "CAPE " من 2023 إلى 2025
لم ينخفض مؤشر نسبة شيلر (CAPE) عن مستوى 30 التاريخي الهام منذ بداية عام 2024..
الذكاء الاصطناعي داخل الفقاعة الأوسع
تصل حدة الجدل بين الفريقين في أقصاها عندما نركز على الذكاء الاصطناعي نفسه. فمما لا شك فيه أن هذه التكنولوجيا قد أحدثت تغييرًا هائلاً مثلما فعلت شبكة الإنترنت من قبل. ولكن الابتكار الحقيقي غالباً ما يكون العامل المؤدي لظهور الفقاعة وليس منع حدوثها.
الخطر الأكبر اليوم يكمن في تركيز القوة في أيدي قلة. فهناك مجموعة صغيرة من الشركات، تُعرف باسم "العظماء السبعة" – وهي تشمل شركات مايكروسوفت وأبل وجوجل وأمازون وإنفيديا وميتا وتسلا) – تشكل الآن نحو ثلث القيمة الإجمالية لمؤشر ستاندرد آند بورز 500. وهذا يمثل أعلى تركيز سوقي تشهده الأسواق منذ عقود.
توزيع أوزان مؤشر ستاندرد آند بورز 500 في ديسمبر 2025.
وتركز هذه الشركات استثماراتها بشكل كبير في سباق التميز بالذكاء الاصطناعي. وهذا يخلق مشكلتين رئيسيتين؛ أولاً، إذا هبطت أسهم هذه الشركات القليلة، فقد تجر معها السوق بأكمله إلى الهبوط. ثانياً، ترتبط مصائرها بعلاقة تشابك عميقة ومعقدة.
فعلى سبيل المثال، قدمت شركة "إنفيديا"، المصنِّعة للرقائق الإلكترونية الأساسية للذكاء الاصطناعي، خصومات لشركات مثل "أوبن أيه آي" مقابل أن تصبح شريكة في ملكيتها. أي أن قيمة كل شركة تعتمد على نجاح الأخرى، في حلقة مفرغة تزيد الخطر على الجميع. وبالتالي، إذا انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي، فقد تكون تبعات الانهيار واسعة النطاق وستكون الصدمة عميقة وهائلة.
مراحل منسكي الخمسة أين نحن الآن؟
وضع الخبير الاقتصادي الأمريكي هايمان منسكي إطاراً نظرياً يحدّد دورة حياة تتكون من خمس مراحل لفقاعة السوق التقليدية. وتحديد موقعنا الحالي في هذه المراحل يمكن أن يساعدنا في فهم المخاطر.
- الشرارة الأولى: تطور مثير جديد يظهر. بالنسبة لنا، كان هذا التطور الجديد هو ظهور الذكاء الاصطناعي الثوري الذي ألهب خيال العالم.
- الازدهار: تبدأ الأسعار في الارتفاع، مما يجذب المستثمرين أكثر وأكثر. التغطية الإعلامية تزداد كثافة. نحن نمرّ بهذه المرحلة بالفعل، حيث تتجه أسعار أسهم شركات الذكاء الاصطناعي في الأسواق المالية للارتفاع دون توقف.
- النشوة المفرطة: هنا يصل الحماس والجنون إلى الذروة. تقفز الأسعار قفزات جنونية ويتخلى الجميع عن الحذر. صحيح أننا نشهد الآن بعض علامات من مرحلة النشوة المفرطة، ولكننا لك نصل حتى الآن إلى مرحلة النشوة المطلقة. فاستبيانات معنويات المستثمرين لم تصل حتى الآن إلى المستويات المتطرفة التي شوهدت في السابق قبل الانهيارات الكبرى.
- الضائقة المالية: يبدأ المطلعون على بواطن الأمور في الشركات والمستثمرون الأذكياء في البيع والتخلص من أسهمهم. وتبدأ مستويات الأسعار في الهبوط. وعادة ما تحدث هذه المرحلة بسبب صدمة سلبية غير متوقعة.
- الذعر والانهيار: يدب الذعر ويُصاب الجميع بالهلع ويحاولون البيع في وقت واحد قبل فوات الأوان. وسيكون انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي هو الشرارة التي تشعل بداية هذه المرحلة
وفقًا إلى هذا الإطار التحليلي الذي وضعه منسكي، فنحن على الأرجح في المراحل المتأخرة من مرحلة الازدهار ونقترب من مرحلة النشوة المفرطة. وهذا يعني أنه على الرغم من احتمال استمرار الصعود لفترة، إلا أن خطر حدوث تصحيح حاد في السوق يتزايد يوماً بعد يوم.
الخلاصة
إذًا، هل نعيش فقاعة ذكاء اصطناعي؟ الحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال معقدة وليست واضحة. فهناك أسباب حقيقية وجوهرية تدفع إلى التفاؤل بشأن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والشركات الرائدة في هذا المجال. ولكن في المقابل، هناك علامات لا يمكن تجاهلها على مضاربة مفرطة وتقليد أعمى للقطيع، وهي سلوكيات انتهت دائماً بكوارث في الماضي. والسوق اليوم تمشي على خط رفيع بين ازدهار تكنولوجي حقيقي وفقاعة إعلامية مبالغ فيها.
وبالنسبة لك كمتداول في السوق، فإن أهم شيء هو عدم إهدار طاقتك في محاولة تحديد ذروة السوق أو التنبؤ بلحظة انفجار الفقاعة بدقة تامة؛ فهذا ضرب من المستحيل من الناحية العملية. الأهم هو أن تركز على ما يمكنك التحكم به وهو: كيفية إدارة المخاطر لحماية رأس مالك.. حاول أن تفهم وجهات النظر المختلفة، وتابع جميع المستجدات، واحذر من اتخاذ قرارات انفعالية مبنية على الضجة الإعلامية أو خوفك من ضياع فرصة قد تكون وهمية.
وفي النهاية نقول إن وضع استراتيجية تداول قوية وواضحة ومبنية على المعرفة الحقيقية وليس على التخمينات هو أفضل السبل للتعامل مع أوقات الغموض والضبابية في الأسواق.
مستعد لتعلم المزيد وصقل مهاراتك في التداول؟ اكتشف مكتبتنا من الموارد التعليمية لإتقان دارة المخاطر والتحليل الأساسي.